طاهر سليمان حموده

110

جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )

وبالرغم من الوظائف الجليلة التي تولاها السيوطي فإنه - على ما يبدو - لم يقنع بها بل كان يرى نفسه أهلا لأن يلي من الأعمال ما هو أجل مما وصل إليه لا سيما بعد أن بلغ من العلم مبلغا ، وكانت وظائف القضاء - كما أشرنا من قبل - لها شأنها في المجتمع ، وكانت وظيفة قاضي قضاة الشافعية التي يمكن للسيوطي باعتباره فقيها شافعيا أن يطمح إليها في يد الشيخ زكريا الأنصاري ( 824 ه - 926 ه ) وكان أسنّ من السيوطي وقد تولى هذا المنصب منذ وقت مبكر ( 886 ه ) ، وكان معروفا بالنزاهة والعدالة والميل إلى الزهد والتمسك بالحق « 1 » ، وقد قبل منصب القضاء بعد تمنع وإباء وقد مكث به نحو عشرين عاما حتى ضعف واعتزل بنفسه عام 906 ه « 2 » ، ثم أعيد إليه مرة ثانية ، لذلك لم يشأ السيوطي أن ينافسه لزهده وعفته وصافته الحميدة التي جعلت منه صديقا له ومؤيدا في بعض المواقف « 3 » وكان سلوك الشيخ زكريا لا يدفع أحدا إلى منافسته لا سيما أنه كان عزوفا عن الدنيا غير راغب فيها ، مألفا يحبه الناس ويجتمعون إليه . لم يحاول السيوطي أن ينافسه في الوصول إلى منصب القضاء برغم صلاته القوية بالخلفاء وبعض رجال الدولة لما قدمنا من أسباب ، ولأن هذه المحاولة من شأنها أن تسيء إلى السيوطي وتبغضه إلى الناس وإلى أولي الأمر إذا أقدم عليها . ولكن طموح السيوطي وتطلعه إلى منصب القضاء جعله يتخذ وسيلة أخرى لذلك إذ اتصل بصديقه المتوكل على اللّه الخليفة العباسي في ذلك الوقت ( صفر 902 ه ) ، واقترح عليه أن يجعله رئيسا لجميع القضاة بمذاهبهم الأربعة ، ولم تكن هذه الوظيفة معروفة بمصر آنذاك إذ إن قضاة كل مذهب كانوا يتبعون قاضي قضاة المذهب ، وبذلك فإن أعلى مراتب القضاء كانت وظائف قضاة القضاة الأربعة ، ولكن السيوطي أفهم الخليفة بأن وظيفته التي يقترحها كانت بمصر زمن الأيوبيين ، وقد تولاها القاضي ابن بنت الأعز ، وأن من حق الخليفة

--> ( 1 ) الشعراني : ذيل الطبقات الكبرى : ترجمة الشيخ زكريا الأنصاري ورقة 23 . ( 2 ) بدائع الزهور ج 4 ص 12 . ( 3 ) ذيل الطبقات ورقة 24 .